أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

152

العقد الفريد

ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم ؛ فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير ، من يكذب يفجر ، ومن يفجر يهلك ، وإياكم والفخر ؛ وما فخر من خلق من تراب وإلى التراب يعود ، هو اليوم حي وغدا ميّت ! فاعلموا وعدوّا أنفسكم في الموتى ، وما أشكل عليكم فردّوا علمه إلى اللّه ، وقدّموا لأنفسكم خيرا تجدوه محضرا ، فإنه قال عز وجل : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ « 1 » فاتقوا اللّه عباد اللّه وراقبوه ، واعتبروا بمن مضى قبلكم ، واعلموا أنه لا بدّ من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم ، صغيرها وكبيرها ، إلا ما غفر اللّه ، إنه غفور رحيم ، فأنفسكم أنفسكم والمستعان اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 2 » اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، أفضل ما صليت على أحد من خلقك ؛ وزكّنا بالصلاة عليه ، وألحقنا به ، واحشرنا في زمرته ، وأوردنا حوضه اللهم أعنّا على طاعتك ، وانصرنا على عدوّك . وخطب أيضا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أوصيكم بتقوى اللّه ، وأن تثنوا عليه بما هو أهله ، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة ، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة ؛ فإن اللّه أثنى على زكريا وعلى أهل بيته ، فقال : إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ « 3 » ثم اعلموا عباد اللّه أن اللّه قد ارتهن بحقه أنفسكم ، وأخذ على ذلك مواثيقكم ، وعوّضكم بالقليل الفاني الكثير الباقي ، وهذا كتاب اللّه فيكم لا تفنى عجائبه ، ولا يطفأ نوره ، فثقوا بقوله ، وانتصحوا كتابه واستبصروا فيه ليوم الظلمة ، فإنه خلقكم لعبادته ، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون . ثم اعلموا عباد اللّه أنكم

--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 30 . ( 2 ) سورة الأحزاب الآية 56 . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 90 .